انقر هنا للعودة للموقع القديم
السبت 09 / ربيع الأوّل / 1440 - 17 / نوفمبر 2018
(20) القيوم
تاريخ النشر: ٢٨ / ذو الحجة / ١٤٢٩
التحميل: 2414
مرات الإستماع: 3601

بسم الله الرحمن الرحيم

الأسماء الحسنى

القيوم

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فأسأل الله -تعالى- أن يجعل هذا المجلس مباركاً، ونافعاً، وأن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته.

في هذه المجالس التي نتذاكر فيها هذه العلوم الشريفة مما يتصل بأسماء الله -عز وجل-، وصفاته سيكون الحديث عن اسم الله القيوم، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً باسم الله الحي، وسيكون بإذن الله –جل جلاله- عن أربع قضايا:   

أولاً: أتحدث عن معنى هذا الاسم من الناحية اللغوية، ومن جهة ما يكون له من المعنى بالنظر إلى إضافته لله -جل جلاله.

 الثاني: أذكر بعض ما ورد في الكتاب، والسنة في ذكر هذا الاسم الكريم.

 الثالث: أذكر فيه ما يدل عليه هذا الاسم.

الرابع: الكلام على آثار هذا الاسم الكريم، وآثار الإيمان به على العبد.

أولا: معنى هذا الاسم من الناحية اللغوية ومن جهة ما يكون له من المعنى بالنظر إلى إضافته لله -جل جلاله-:

مادة: (القاف، والواو، والميم)، في كلام العرب أرجعها ابن فارس إلى معنيين اثنين:

المعنى الأول: الانتصاب، والعزم.

والمعنى الثاني: جماعة الناس، قوم، بصرف النظر عما يطلق عليه، هل يطلق على جماعة الرجال خاصة، ويدخل فيه النساء بحكم التبع؟ المقصود أن القوم: هم الجماعة من الناس، وليس الشأن هنا عن هذا الإطلاق، وإنما حديثنا سيكون عن المعنى الآخر.

وعامة أهل العلم يذكرون في المعنى أكثر مما ذكره ابن فارس، يعني: إذا كان ابن فارس يقول: إنه يطلق على جماعة الناس، والإطلاق الآخر هو العزم، والانتصاب([1])؛ فإن أكثر أهل العلم يذكرون معانيَ أخرى، قد يرجع بعضها إلى شيء من هذا -إلى العزم-، ولكنها تدل على معانٍ زائدة في الواقع، أكثر مما ذكره ابن فارس، على تفاوت أهل العلم في هذه المعاني التي يذكرونها، ولا شك أنه يمكن اختصارها؛ لتداخل بعضها في بعض، إلا أن ذلك لا يقف -والله أعلم- على هذين المعنيين (الانتصاب، والعزم)، فيما يخصنا، دعك من الإطلاق الآخر الذي هو بمعنى جماعة الناس؛ فهذا لا تعلق له بموضوعنا.  

والقيام في لغة العرب: يقال للتكفل بالأمر، فلان قام بهذه المهمة يعني: تكفل بها، فلان يقوم على العمل الفلاني، فلان يقوم على الأرامل، يقوم على الأيتام، بمعنى: أنه متكفل بهم، ومن هذا المعنى يذكر بعضهم: قام بالأمر إذا وليه، تقول: فلان هو الذي يقوم على هذه المؤسسة، ولكن ليس هناك كبير فرق بين هذا وبين ما قبله من إطلاق ذلك على النهوض بالشيء، وتوليه، فلان يقوم على المؤسسة، فلان يقوم على الشركة، فلان يقوم على الأيتام، فلان يقوم على أولاده، وأهله؛ ولهذا يقولون: قيام الأمر: صلاحه، واستواؤه، وقيام البناء: اكتماله، وتناهيه، والقيام بالأمر الجد فيه، دون فتور، والقيام خلاف القعود، كل هذا تجدونه في بعض كتب اللغة كلسان العرب وغيره([2]).

ولكن كما قلت: هذه المعاني، منها ما يرجع إلى بعض، فالانتصاب يدخل فيه معنى ما ذكر، من قيام البناء، قام فلان: إذ انتصب، وهذا يقابل القعود، وقام البناء: ارتفع، ولكن ما يتعلق بالألفاظ الأخرى، والمعاني الأخرى التي ذكرت كالتكفلِ بالأمر، والقيام به إذا وليه، وصلاحِه، واستوائه، والجدِّ فيه دون فتور هذه يمكن أن ترجع إلى معنى واحد؛ ولهذا بعضهم يعبر فيقول: القيام بمعنى المحافظة، والإصلاح، ومنه قوله –تعالى-: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِالنساء:34، وهكذا في قوله –تعالى-: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًاآل عمران:75؛ أي: ملازماً، فمثل هذا يمكن أن يكون بمعنى الرعاية للشيء، وتوليه، والمحافظة عليه؛ ولهذا يقال: الرجل قيّم على المرأة، وقوّام، فهو قيّمها، الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِالنساء:34؛ بمعنى: أنهم يقومون على النساء بالولاية، والرعاية، والحفظ، والاحتياط لهن، فيحفظ المرأة من كل ما يمكن أن يؤثر عليها تأثيراً سلبيًّا، أو من كل ما يمكن أن يدنس شرفها، أو عرضها، أو يخل بمكانتها، ومرتبتها، وكرامتها، رجل قيّم هو سيدها الذي يسوسها، ويحوطها، ويتولى شئونها، ويدبر أمورها، هذا معنى القيم، فهذه القوامة، فهو السيد الذي يسوس الأمور، ويدبرها، والله -تبارك وتعالى- هو القيوم.

فإذا نظرنا إلى هذه المعاني فإننا يمكن أن نفسر هذا الاسم الكريم فيما يتصل بإضافته إلى الله -جل جلاله-، فنقول: هو القائم بنفسه، المقيم لغيره -على سبيل الاختصار-، وعبارات أهل العلم ترجع في مجملها، وغالبها إلى هذا المعنى

 

يمكن أن نفسر هذا الاسم الكريم فيما يتصل بإضافته إلى الله -جل جلاله-، فنقول: هو القائم بنفسه، المقيم لغيره -على سبيل الاختصار-، وعبارات أهل العلم ترجع في مجملها، وغالبها إلى هذا المعنى

 

، فإذا نظرت إلى عبارات بعضهم، على سبيل المثال: كبير المفسرين ابن جرير الطبري يقول: "هو القائم بأمر كل شيء في رزقه، والدفع عنه، وكلاءته، وتدبيره، وتصرفه في قدرته"([3]).

ويعبر عنه الخطابي، فيقول: "هو القائم على الناس بالرعاية لهم"([4]).

ويعبر عنه القرطبي بقوله: "القائم بتدبير ما خلق"([5]).

ويعبر عنه ابن القيم بقوله: "هو القائم بنفسه، الذي قيام كل شيء به، أي: هو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره بدون إقامته له، وقيامه هو بنفسه، لا بغيره"([6])، قام بنفسه، وقام كل شيء به؛ يعني: أنه هو الذي أقامه، فكل ما سواه محتاج إليه بالذات، والله -تبارك وتعالى- هو القيوم، هذا الاسم الكريم الجامع لصفات الأفعال، أو هذا الوصف الذي يتضمنه هذا الاسم يجمع صفات الأفعال: (التدبير، والرزق)، فهو قائم على كل شيء، وقائم على كل نفس، وهذا من معاني الربوبية، فإن الرب هو السيد، والمتصرف بخلقه، والمربي لهم بالنعم الحسية، والمعنوية، الظاهرة، والباطنة، فهذه الأسماء -كما ترون- تتصل ببعضها اتصالاً وثيقاً، والله -عز وجل- هو الذي يرزق، هذا من معاني القيوم، ومن معاني الرب، هو الذي يحفظ كل شيء، ويتصرف فيه كما أراد زيادة، ونقصاً، وتبديلاً، وتغييراً.

والمقصود أن القيوم: يدل على المبالغة من القيام، فإن الله -عز وجل- يقول: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْالرعد:33، قائم، يقوم عليها بما كسبت، فيحصي ذلك، ويحاسبها على ما اقترفت، وجنت، كما أنه -تبارك وتعالى- يجازي كل عامل بعمله، أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌالرعد:33، وصيغة المبالغة: (القيوم)، فهو -تبارك وتعالى- يقيم أمر أهل السموات، والأرض، بل يقيم السموات والأرض وما فيهما، ويدبرهما، ويرزق أهلهما، فالحي -الذي سبق الكلام عليه-: يجمع صفات الذات، والقيوم: يجمع صفات الأفعال؛ فإن من كمال حياته أن يكون سميعاً، بصيراً، إلى غير ذلك من صفات الذات.

وأما صفات الأفعال من الرزق، والإحياء، والإماتة، وما إلى ذلك، فهذا يرجع إلى معاني القيوم، وبهذا الاعتبار يكون القيوم متضمناً لصفة فعل، أو صفة ذات، بالاعتبار السابق يكون متضمناً لصفة فعل، صفة فعلية: يدبر، ويرزق، ويحفظ، ويتصرف، يصرف أمور الخلائق، فهذه صفة فعلية، ومن فسره قال: القيوم: هو القائم بلا زوال، الدائم، جعله بمعنى: الباقي، فجعله صفة ذات، وبهذا قال البيهقي والخطابي([7]).  

والأحسن -والله تعالى أعلم- أن يقال: إنه صفة ذات باعتبار بعض معانيه، وما يدل عليه، فهو القائم بنفسه، وهو صفة فعل باعتبار أنه مقيم لغيره، يدبر شئونه، ويرزقه، ويكلؤه، ويحفظه، فهو صفة فعل بهذا الاعتبار، وكما سبق في بعض أسماء الله -تبارك وتعالى- التي سبقت فإنها قد تتضمن صفة ذات باعتبار، وصفة فعل باعتبار كما سبق في الكلام على اسم الرب.

وتجدون بعض من يتكلم على هذا الاسم، يذكرون أنه صفة فعل، وبعض هؤلاء يقول: إنه صفة ذات، ولعل الأقرب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكرته: أنه صفة ذات باعتبار، وصفة فعل باعتبار.

وقد جمع ابن القيم -رحمه الله- هذه المعاني في "نونيته"، فقال:

هذا ومن أوصافه القيومُ والـ *** قيومُ في أوصافه أمرانِ

                      إحداهما القيومُ قام بنفسه ***

هذا المعنى الأول: قائم بنفسه.

إحداهما القيومُ قام بنفسه *** والكونُ قام به هما الأمرانِ ([8])

هذا المعنى الثاني: أنه مقيم لغيره، الكون قام به.

يقول:

             فالأول استغناؤه عن غيره ***

قائم بنفسه؛ يعني: أنه لا يحتاج، ولا يفتقر إلى غيره في إقامته، الآن لو تخلى عن الخلق طرفة عين، ما الذي سيحصل؟ هل يكون لهم بقاء؟ أبداً، فبقاء الخلق حتى أهل الجنة في خلودهم إنما هو بإقامة الله -عز وجل- لهم، فهم مفتقرون إليه كل الافتقار، أما الله -عز وجل- فهل هو بحاجة إلى أحد من خلقه؟ أبداً، فهو مستغنٍ عنهم، يقول ابن القيم:

                              *** والفقرُ من كلٍّ إليه الثاني

يعني المعنى الثاني: أنه مقيم لغيره، أنهم مفتقرون إليه كل الافتقار.

يقول:

والوصفُ بالقيوم ذو شأنٍ كذا *** موصوفه أيضا عظيم الشانِ

والحيُّ يتلوه فأوصاف الكما *** ل هما لأفق سمائها قطبانِ([9])

يعني: أوصاف الكمال ترجع إلى الحي، والقيوم.

              فالحيُّ والقيومُ لن تتخلف ال  *** أوصافُ أصلاً عنهما ببيانِ

هذا خلاصة الكلام الذي ذكرته سابقاً، يقول: كل أوصاف الكمال ترجع إلى الحي، والقيوم، فالحي ترجع إليه أوصاف الذات، والقيوم ترجع إليه أوصاف الأفعال.

ثانياً: ما يتعلق بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة في تقرير هذا الاسم الكريم:

لقد ورد لفظ (القيوم) في ثلاثة مواضع من كتاب الله -عز وجل-، منها قوله -تعالى-: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُالبقرة:255، وقوله -تعالى-: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُآل عمران:2، وقوله -تعالى-: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِطه:111.

أما ما ورد في السنة: فكقوله -صلى الله عليه وسلم-: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)([10]).

وجاء مضافاً إلى السموات، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن)([11])، وفي رواية عند مسلم: (قيّام السموات)([12]).

ثالثاً: ما يدل عليه هذا الاسم الكريم:   

يدل هذا الاسم بدلالة المطابقة على الذات، وصفات القيومية، ذات الله المسماة بهذا الاسم، وعلى الصفة كما عرفنا أن أسماء الله مشتقة، تدل على أوصاف الكمال، ويدل بدلالة التضمن، ذلك إذا أطلقت اللفظ على بعض معناه، يقال لها: دلالة التضمن، فهذا يدل بدلالة التضمن على أحدهما، فقد يراد به الذات فقط، فهذه دلالة تضمن، وقد يطلق، ويراد به الصفة، فهذه دلالة تضمن، كما أنه -أيضاً- يدل بدلالة اللزوم، والاقتضاء على جملة من المعاني، والأوصاف الكاملة، كما سبق أن صفات الأفعال ترجع إلى هذا الاسم الكريم، فهو متضمن لها، أو مستلزم لها، فهو يقتضي: "أنه هو المدبر لأمر العالم العلوي، والسفلي، هو القائم بمصالحه، وحفظه"، كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في كتاب "التبيان"([13]).  

وكثيراً ما تجد الارتباط كما في الآيات السابقة بين الحي، والقيوم؛ وذلك لما سبق من تضمنهما لجميع أوصاف الكمال، ففيهما إثبات الكمال الذاتي في الحي، والسلطاني في القيوم؛ ولهذا يقال: إن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال؛ لأنه إذا تخلف شيء من صفات الكمال؛ فذلك نقص في الحياة، والقيوم متضمن لكمال غناه، ولكمال قدرته، فالذي يدبر، ويرزق، ويعطي، هل يمكن أن يكون ضعيفاً، ليس له قدرة؟، هل يمكن أن يكون عاجزاً، أو يكون فقيراً؟ لا يمكن هذا، مع أنه قائم بنفسه، مستغنٍ عن خلقه.

والحاصل: أن هذا الاسم يدل على صفات كثيرة، يمكن أن تفهم مما سبق؛ ولهذا فإن من كمال حياته، وقيوميته: أنه لا تأخذه سنة، ولا نوم، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌالبقرة:255، فإن السِّنة والنوم نقص في الحياة، كما أنها نقص -أيضاً- في القيومية، فالذي ينام هل يمكن أن يدبر أحوال العالم؟ إنه لا يمكن أن يدبر أحوال نفسه، الإنسان إذا كان نائماً فإنه لا يدفع عن نفسه قليلاً، ولا كثيراً، فالله -تبارك وتعالى- لا ينام، ولا يغفل، ولا تعرض له الآفات، كما هو الشأن بالنسبة للمخلوقين الضعفاء.

كما أنه من كمال ملكه، وسلطانه، وعظمته أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِالبقرة:255، وهذا -أيضاً- يدل على كمال قيوميته؛ فإن المخلوقين يشفع الناس عندهم من غير إذنهم، وقد يقبلون هذه الشفاعة بسبب ضعفهم؛ فإنه يخاف غوائل ذلك الشافع إن لم يقبل شفاعته؛ لأنه قد لا يقوم سلطانه إلا به، كأن يكون من أركان سلطته، أو مملكته يعتمد عليه، فيخاف غوائله، أو أنه يرجو نفعه؛ فيضطر إلى قبول شفاعته، أما الله -عز وجل- فـ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِالبقرة:255، ليس بحاجة لأحد، فإن قبل الشفاعة من أحد فإنما ذلك يكون على سبيل التفضل منه -جل جلاله-، فحياته كاملة، وقيوميته كاملة، وملكه وسلطانه كامل؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: إن الاسم الأعظم هو الحي القيوم([14])، وقد سبق هذا، وهو اختيار جماعة من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله([15]).

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى المعنيين اللذين ذكرتهما في الكلام على معنى القيوم، من أنه يدل على الوصف الذاتي، والوصف الفعلي المتعدي، فهو يذكر أنه القيوم؛ بمعنى: أنه لا يزول، ولا يحصل له نقص بعد كماله([16])، فهو الباقي، الدائم، الموصوف بصفات الكمال، من غير أن يطرأ عليه نقص بحال من الأحوال، لا في الماضي، ولا في الحاضر، ولا في المستقبل، والذين قالوا: إن هذا الاسم مع الحي هو الاسم الأعظم؛ قالوا: لأن جميع الأسماء، أو الصفات ترجع إليه، يقولون: صفة الحياة مصححة لجميع الصفات، وصفة القيومية متضمنة لجميع الأفعال، هذا من جهة النظر، ومن جهة النقل -يعني: الدليل النقلي- يحتجون بالأحاديث التي سبقت، لما سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً يدعو: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنانَ، بديعَ السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم)([17]).

وسمع -عليه الصلاة والسلام- رجلاً آخر، يقول: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)([18])،فقال -عليه الصلاة والسلام- للأول: (لقد سألت الله باسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى).

وقال عليه -الصلاة والسلام- للآخر: (ادع تُجب وسل تُعطه)([19])، فذكر الاسم الأعظم في الدعاء الأول الذي ذُكر فيه الحي القيوم، وفي الحديث الآخر: (ما أصاب أحداً قط همٌّ، ولا حزنٌ، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك…)([20])إلى آخره.

والحافظ ابن القيم يقول في "النونية":   

وله الحياةُ كمالُها فلأجل ذا *** ما للمات عليه من سلطانِ

وكذلك القيّومُ من أوصافه *** ما للمنام لديه من غشيانِ

وكذاك أوصافُ الكمال جميعها *** ثبتت له ومدارها الوصفانِ

فمصحِّح الأوصاف والأفعال والأ *** سماء حقًّا ذانك الوصفانِ

هذه المعاني التي ذكرتها آنفاً، يقول:

ولأجل ذا جاء الحديث بأنه ***  في آية الكرسي وذي عمرانِ

اسم الإله الأعظم اشتملا على اسـ *** ـم الحي والقيوم مقترنانِ

   فالكل مرجعها إلى الاسمين يد *** ري ذاك ذو بصر بهذا الشانِ ([21])

رابعاً: الآثار المترتبة على هذا الاسم الكريم:

هذه الآثار يمكن أن يقسم الكلام فيها على قسمين فيقال: آثار هذا الاسم في الخلق، وكذلك الآثار التي تحصل للمؤمن حينما يعرف هذا الاسم، ويؤمن به، ويعتقده، ويدرك ما تضمنه من المعاني؛ ولكن أدمجت هذا في هذا، وربطت الكلام بعضه ببعض على سبيل الاختصار.

فالأول من هذه الآثار: ما يؤثره ذلك فينا أن ندعوه -تبارك وتعالى- بذلك دعاء مسألة، ودعاء عبادة، فالله -تبارك وتعالى- يقول: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَاالأعراف:180، وفي حديث أنس، كان -صلى الله عليه وسلم- يدعو: (يا حي يا قيوم)([22])، وفي رواية: كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أي حي، أي قيوم)([23])، وهكذا في حديث أنس -رضي الله عنه- الآخر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة –رضي الله عنها-: (ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي إذا أصبحت، وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)([24]).

وهكذا في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثاً غفرت ذنوبه، وإن كان فارًّا من الزحف)([25])، والفرار من الزحف من السبع" الموبقات، وقد فهم منه بعض أهل العلم: أن من الأعمال الصالحة ما يكفر الكبائر من غير توبة، وأنه لا يشترط في ذلك التوبة، ولكن هذا فيه نظر؛ لأن هذا الحديث الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا المعنى، قال: (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو)، قد سبق الكلام على التوبة أن الاستغفار تارة يذكر، ويراد به التوبة، لا الاستغفار المجرد في اللسان من غير حضور قلب، ومن غير أن يكون مستوفياً لما تتطلبه التوبة من شروط، لكن الله -تبارك وتعالى- قد يتجاوز عن الإنسان بعفو، أو بشفاعة، أو بمصائب مكفرة، أو بحسنات عظيمة ماحية، ولو كان ذلك من الكبائر كما هو معلوم.  

ولا شك أن الدعاء بهذا الاسم -لاسيما حينما يقرن مع الحي- أن ذلك مظنة لأن يكون ذلك الدعاء من قبيل السؤال بالاسم الأعظم؛ لهذا ذكرت من قبل أن الإنسان إذا أراد أن يدعو يقول: يا الله، يا حي يا قيوم، يا واحد يا أحد، يا حنان يا منان، الأقوال المشهورة التي قيلت في الاسم الأعظم يذكرها في دعائه، وفي حديث أنس –رضي الله عنه- أن رجلاً دعا، فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، المنانَ، بديعَ السموات، والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)([26])، فالإنسان يدعو ربه دعاء مسألة، يقول: يا قيوم، يا حي يا قيوم، أما دعاء العبادة فإنه ينتظم الأمور التي سأذكرها بعده؛لأن العبادة -كما هو معلوم- تكون بالقلب، واللسان، والجوارح.  

الثاني من هذه الآثار: أن يتبرأ الإنسان من التعلق بغير الله، وهذا من أجلّ العبادات، جنس العبادات القلبية أعظم من جنس عبادات الجوارح، إذا عرف الإنسان أن ربه هو القيوم، القائم على أمور خلقه بأرزاقهم، وأعمالهم، وآجالهم، وما يتصل بدنياهم، وفي كل شأن من شئونهم، وفي آخرتهم؛ فإنه يخرج من حوله، وطوله، وقوته، ولا يركن إلى نفسه طرفة عين، فيفتقر إلى ربه -تبارك وتعالى- افتقاراً تامًّا، كاملاً، ويُنزل به جميع حوائجه، فيستعين به، وبه يستغيث، ويعتصم بحوله، وطوله، وقوته -تبارك وتعالى-، كما أنه يقطع التعلق بالمخلوقين، أن يعطوه، أو أن يرزقوه، أو يتعلق بهم من أجل أن ينكف شرهم عنه، فيقدم لهم ألواناً من العبوديات، ويمتد نظره، ونظر قلبه إلى هؤلاء المخلوقين؛ لعلهم يرضون عنه؛ لعلهم يعطونه؛ لعله يحصل على شيء من النوال من دنياهم، أو غير ذلك، وهؤلاء مربوبون لله -جل جلاله-، مفتقرون إليه، وفقرهم ذاتي، وغناه -تبارك وتعالى- هو الغنى الذاتي؛ ولهذا الإنسان يستغيث يقول: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، فهذا الكون يصرفه الله -تبارك وتعالى- على اتساعه الذي لا نتصوره، ولا نتخيله، قد عرضتُ في أحد الأيام بعد صلاة العشاء صورة فضائية حقيقية للكون، ولبعض المخلوقات الهائلة فيه، ونسبة الأرض إليها، ثم قربنا الأرض حتى وصلنا إلى مسجدنا؛ فرأينا الأرض كأنها حبة رمل تسبح في هذا الفضاء، كأنها حبة رمل؛ بما فيها من البحار، والقفار، والجبال، والغابات، وبما فيها من ناطحات، وجيوش جرارة، ودول ممكنة، مثل حبة الرمل تسبح في هذا الفضاء، فقربناها شيئاً، فشيئاً حتى وصلت إلى مسجدنا، وكنت أقوال حينها: إن الإنسان قد يتعاظم الشيء الصغير في نظره إذا صوب نظره، وقلبه إليه.

هذه القطعة الصغيرة، السوداء أنتم تنظرون إليها من بعيد تأخذ حجمها الطبيعي، وكلما ابتعدت، وجعلتها في الأفق كلما كان ذلك أدعى لصغرها، وتضاؤلها وكلما قربتها أمام عينك فإنها تحجب عنك الأشياء، هكذا المخلوق الضعيف، المسكين إذا امتد إليه نظر القلب عظّمه، فتعاظم هذا المخلوق؛ فحجب عنه كل شيء؛ فصار لا يرى إلا هذا المخلوق، أيًّا كان هذا المخلوق، سواء كان هذا المخلوق من ذوي السلطان، أو كان مالاً، أو غير ذلك مما تتعلق به نفوس المخلوقين، ويتعاظم أعظم مما ينبغي له، فيكون أعظم في نظره، وأحب إليه، أو يخافه أكثر مما يخاف من الله -جل جلاله-، وقل مثل ذلك في أمور كثيرة، حتى المشكلات، أحياناً مشكلة يسيرة يستغرق الفكر فيها، يفكر الإنسان فيها، ولا ينظر إلا إليها، ويركز عليها؛ فتتضخم هذه المشكلة عنده، فيغطي الحياة بهالة من السواد؛ فتظلم الدنيا في عينيه، لكن لو أعطاها حجمها الطبيعي لما كان الأمر كذلك، الأفق واسع، وحياته فيها الأمور الحلوة، والمرة.  

فأقول: الله -تبارك وتعالى- يصرف هذه الكائنات، والخلائق، ويملك أزمّة الأمور، وبيده النفع، والضر، والخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، فينبغي أن يتخذه العبد وكيلاً، وأن يكون هو حسبنا، ومولانا، وكافينا، أما إذا نظر الإنسان إلى هذه المخلوقات فإن صاحب النظر الصحيح، الذي عرف الله معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته إنما تدله هذه المخلوقات على خالقها، لا أن تتعاظم، فتزاحم عظمة الخالق في نفسه، فهذا من عكس الأمور، وقلب الأشياء، فهو نظر فاسد، الصحيح: أن ينظر إليها باعتبار أنها تدل على هذا الخالق العظيم، وتدل على كمالاته، ونعوت جلاله، فلا ينبغي أن يحجبنا هذا الخلق عن الخالق، بل كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: "يناديه كل شيء من هذه المخلوقات بلسان الحال، فيقول: اسمع شهادتي لمن أحسن كل شيء خلقه، فأنا صنع الله الذي أتقن كل شيء"([27]).

فإذا رأى الجمال بالمروج، ورأى ذلك في بلاد تغمرها الخضرة، وتسرح فيها الأنهار، وما إلى ذلك؛ فإن هذا لا يجعل قلبه يتعلق به، وإنما يتوجه إلى تعظيم الخالق، فهذا شيء يسير من خلقه -سبحانه وتعالى-، لاسيما إذا أعطينا الأشياء حجمها الحقيقي، فتذكّر ما ذكرتُه من أن هذه الأرض بنظرنا حينما نجعلها في صورتها الحقيقية من الفضاء كأنها حبة رمل، فما الذي يوجد فيها من هذه الزينة، والبهرج، وما إلى ذلك؟!، هو الشيء اليسير من خلق الله -عز وجل-، فنتوجه إلى تعظيم الله -تبارك وتعالى-، دون أن تتعلق قلوبنا بهذه المخلوقات، هذه الأموال التي بأيدي الناس، كم تمثل بالنسبة لما عند الله -عز وجل- في خزائنه؟  

شيء لا يذكر، ومع ذلك يتحول بعض الخلق إلى عبادة جزء حقير بالنسبة إلى ما في أيدي الناس أيضاً؛ لأنه كم سيحصّل بالنسبة للمال الذي وضعه الله -عز وجل- في أيدي الخلق، ومع ذلك تتحول عبوديته له، فهذا من فساد النظر، والخلل في التفكير، وهذه الأكوان العظيمة، والأفلاك من الذي يمسكها؟! من الذي يمسك السموات، والأرض أن تزولا؟! من الذي يدبر هذه الكواكب، والنجوم، الشمس تخرج من هنا، وتغيب من هنا، من الذي يدبرها هذا التدبير الدقيق، ويصرفها هذا التصريف؟! لو تعطل شيء من هذا، لو صارت الشمس عندها خلل، وبطء في الحركة، ما الذي سيحصل؟ ومن يا ترى هم المهندسون الذين سيستطيعون إصلاح هذا الخلل الذي حصل؟ هل أحد يستطيع؟ لا أحد يستطيع.  

لو أن القمر ابتعد، أو لو أن بعض النجوم اقتربت، أو حصلت سرعة في حركة بعض الأفلاك، والنجوم ما الذي سيحصل؟! لو ازدادت البرودة قليلاً، وهذا يدل على ضعفنا، وعجزنا، إذا زادت البرودة في المكيف تجمد الناس، ورأيتهم، وأشفقت عليهم، وإذ صار شيء من الحرارة أثر ذلك فيهم غاية التأثير، ولو أن الشمس ارتفعت، أو نزلت قدراً يسيراً ما الذي سيحصل؟ من الذي يقيم هذه الأشياء جميعاً، ويدبرها هذا التدبير الدقيق؟، في هذه الأزمان المتطاولة ما حصل خلل في يوم واحد؛ ولهذا أحياناً يتعجب الإنسان مما يقرأ! بعض علماء الفلك يتحدثون أن نجماً، أو كوكباً ينطلق باتجاه الأرض، وأنه قد يصطدم بها، هذا لن يكون إلا في نهاية العالم، لن يكون خراب هذا العالم، والتبدل، والتغير الذي يحصل فيه إلا في يوم القيامة، أما في الدنيا فكل شيء يسير في المسار الذي رسمه الله -عز وجل- له تماماً، من غير أن  يضطرب، أو يختل، لن يصطدم بالأرض، ولن يحصل شيء إلى يوم الوقت المعلوم.

ولو توقفت الشمس، وصار الناس في ليل، أو صاروا في نهار دائم؛ كيف ستكون حياتهم؟ وكذلك هذا الخلق العجيب بما فيه وما سخر الله فيه من الدواب، والنبات، إلى غير ذلك من أمور قد لا ندرك أكثرها.

جسم الإنسان هذا الذي تجري فيه أشياء عجيبة، لو أصابه شيء من مرض، أو تعطل عصب، أو عرق، ونظر فيه الإنسان فإنه يجد أشياء هائلة، فيصبح عنده ثقافة واسعة بهذا العرق، أو العصب، وما دوره، وما آثاره، وما الأشياء التي تؤثر عليه، وما هي طرق العلاج الموجودة في العالم، وما هي آثار هذا، وما هي آثار هذا إلى آخره، وقبل ذلك ما كان يعرف اسم هذا، أو أنه موجود فيه، وجميع الناس فيهم هذه الأشياء، هذه العروق، والأعصاب الدقيقة، كيف وُصلت ببعضها؟، والجهاز العصبي؟، وهكذا كل هذه الأشياء في كل الناس، من الذي يدبرها؟ لو أن الإنسان كُلف بنفخ رئته فقط؛ كيف سينام؟، وكيف سيأكل؟، تصور يأكل، وينفخ، والله يدبر ذلك جميعاً، لو حصل عنده تسارع في نبضات القلب، كيف ستكون حاله؟ يذهب إلى الأطباء، ويحمل معه جهازاً، فالله يدبر ذلك جميعاً.

هذه الكائنات الدقيقة، حشرة صغيرة جدًّا لا تكاد ترى، سأل عنها بعض الناس، تأذوا منها؛ فأعطيتها لبعض الأساتذة في قسم الأحياء، فصوروا لي من بعض الكتب، وأروني صورتها وهي كبيرة، فأتيت بصورتها وهي كبيرة لهؤلاء، وأعطيتهم إياها، الشاهد: هذه الدويبة الصغيرة التي لا نتفطن لها، وقد تكون موجودة في كل بيت، قال هؤلاء: إنه يوجد في العالم منها -من هذه فقط- ما يقرب من خمسين مليون صنف، من دويبة واحدة صغيرة، لو أذكرها قد لا يعرفها جميع الإخوان، مع أنها موجودة، لكن لصغرها لا ينتبهون إليها، هذه دويبة صغيرة توجد في البيوت، وتوجد في الفُرش، فكيف بخلق الله -عز وجل-، هذا الهائل الممتد بما فيه من العجائب، والغرائب؟!، من الذي يديره؟ ومن الذي يرزق هذه الأشياء؟.

الناس هذه الأيام في قلق متسارع، حينما رأوا بوادر هذه المشكلة المالية، وكأن الناس هم الذين يديرون هذا العالم، وكأن الناس هم الذين يقومون على أرزاقهم، وشئونهم، الله -عز وجل- هو الذي يدبر ذلك جميعاً، وكل شيء وفق حكمته -سبحانه وتعالى.

فالمقصود: إذا عرف الإنسان معنى هذا الاسم الكريم، وآمن به استيقن أن الله -عز وجل- هو الذي يقوم بتدبير أمور العباد، وأرزاقهم، وجميع أحوالهم، فيتوكل عليه حق التوكل، ويوجه قلبه إليه، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواالمائدة:23، لا تتوكل على المخلوق، المخلوق ما عنده شيء، نفحة من عذاب الله يتغير كل شيء، عقوبة يسيرة، اختلال في الاقتصاد، في جزئية من الجزئيات، انظر إلى العالم من شرقه إلى غربه، بلاد ذات اقتصاد قوي جدًّا، بلاد صناعية، دول عظمى، تشاهدون، ويشاهد العالم كل يوم انهيارات فيها، كل ذلك نتيجة نفحة، ما نزلت صاعقة من السماء، وما نزلت صيحة، وما وقع زلزال، نفحة واحدة، فبقيت أبصار الخلق مشدوهة، يعلنون ضعفهم، وعجزهم أمام قوة الله -عز وجل-، وإذا أراد الله -عز وجل- أمراً فإن ما يحاوله الإنسان إذا كان الله لا يريد لهذا الخرق رتقاً فإنه يكون فعل هذا الإنسان في إصلاحه إنما هو وبال، وخراب، فيجب أن يكون رجاؤنا بالله، وتوكلنا على الله، أما المخلوق فيستغني عنهم الاستغناء الكامل، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَالأنعام:17، لا تتعلق بالطبيب، ولا بالدواء، ولا بالمستشفى، إنما يكون التعلق بالله وحده، دون أحد سواه، وبهذا يرتاح القلب من كثير من العناء، والشقاء، والحسرات التي تذهب بها نفوس من لا إيمان له، ولا معرفة بربه، وخالقه -جل جلاله-، فيكون المؤمن مطمئناً، تستقر نفسه، لا تنتابه مشاعر القلق، والكآبة، والضيق، والخوف من المستقبل؛ لأن ذلك جميعاً بيد الله -عز وجل-، إنما علينا أن نعمل كما أمرنا الله، أن نعبده، وأن نسعى في طلب الرزق، وإقامة الحياة بصورة ترضي الله -عز وجل-، من غير مقارفة للحرام، نعمر هذه الدنيا، نتعاطى الأسباب الصحيحة، (اتقوا الله، وأجملوا في الطلب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها)([28]).   

هذا من أجمع الكلام: اتقوا الله، لا تأخذوا ذلك من غير حله، ما كتب لكم سيأتيكم، وأجملوا في الطلب يعني: لا تتهافتوا عليها، وتدنسوا الشرف، والعرض، وتنسفلوا، وتهبطوا من أجل حطامها، لا، لا، ارتفعوا، اطلبوها بأسبابها الصحيحة، وبالقدر اللائق، دون تهافت يذهب بالدين، والمرؤة، (لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها)، انظروا إلى الصور، والأوضاع المزرية، التي كنا نخجل حينما كنا نشاهدها على صفحات الجرائد، والصحف، حينما تهافت الناس، أو كثير من الناس على الأسهم، صور مخجلة، طوابير طويلة، ثم بعد ذلك هل أخذوا رزقاً لم يكتبه الله -عز وجل- لهم؟ أبداً، ماذا حصل لهم؟ هو طرب قليل، وفرحة يسيرة، ثم أعقبها بعد ذلك ألوان من الحيل؛ للحصول على أكبر قدر من هذه المطامع، تحول ذلك إلى خسائر فادحة، الذين يتهافتون، صار يأخذ من الحرام، وصار يقترض من البنوك؛ فصارت النتيجة وبالاً، وصارت ديوناً لا زالوا يعانونها، (اتقوا الله وأجملوا في الطلب)، لربما كان يظن بعض الناس أن الذي لا يتهافت ذلك التهافت، ولا يقبل ذلك الإقبال أنه فيه عجز، أو غفلة، كيف يفوت هذه الفرص؟، ويلام غاية الملامة، والآن هذا القلق، هذا الانزعاج لا محل له، فيطمئن القلب إلى ربه -جل جلاله-، ويركن إليه، ويلجأ لحماه، ويلوذ بجنابه، ويطرق بابه، دون أن يكون ركوننا إلى أحد من المخلوقين، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُالفرقان:58، لا يموت! المخلوق يموت، وينتهي، وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًاالفرقان:58، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ آل عمران:122، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَالمائدة:23، فمن توكل عليه كفاه، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُالطلاق:3؛ أي: كافيه، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًاالطلاق:3، هذه النصوص ناطقة بمعانٍ عظيمة، لو تدبرها الخلق لأراحتهم من كثير من التخبط الذي هم فيه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا)([29]).

أقول: لو وُكل تدبير أمر هذا الكون للبشر -وهم لن يستطيعوا- ما الذي سيحصل؟، لو وكل إليهم تدبير ما يتعلق بالمعايش فقط هذا الجانب، ما الذي سيحصل؟ انظر كيف توجد هذه المعايش، كيف توجد الأرزاق، مطر ينزل من السماء، يحيي الله -عز وجل- به الأرض بعد موتها، ترعاه الدواب، ما الذي يوجد من هذه الدواب؟ ما الذي يوجد من النباتات؟ كيف تنشق الأرض عن مسمار النبات؟، كيف ينمو؟ كيف تظهر الثمار؟، ما الذي يحصل من هذه الأشياء جميعاً مما يجنيه الناس؟

انظر -مثلاً- إلى كثرة ما يستهلكه العالم في شرقه، وغربه في اليوم الواحد، كم تقدر من اللحوم بأنواعها؟ كم يقدر هذا؟ ومع ذلك لم تفنَ البهائم، مع أن الإنسان لو نظر بنظره القاصر في هذه القضية بهذا الاستهلاك الهائل وجد أن هذا يكفي لإفنائها، الضأن تلد في الغالب ولداً واحداً، والمعز تلد ولدين، ولكن لما كان استهلاك الناس في الضأن كانت البركة فيها أكثر، فهي أكثر من المعز، وستأتي أشياء من هذا القبيل في الكلام على أسماء الله العليم، والخبير، والحكيم، وما إلى ذلك.

كم يستهلك الناس من الفواكه، والثمار؟ ومع ذلك هو متوفر، لو نظر الإنسان إلى أهل منى فقط، لو نظر إليهم من فوق جبل؛ سيقول: من يستطيع أن يطعم هؤلاء ويتولى شئونهم؟ هل يستطيع أحد ذلك؟! لا أحد يستطيع، ومع ذلك الله -عز وجل- يهيئ لكل واحد رزقه، فما يموت أحد من الجوع، بل قد يأكلون هناك أضعاف ما يأكلونه في بيوتهم، أليس كذلك؟، فالله -عز وجل- هو الذي يدبر شئون المخلوقين.

حينما يقوم الناس، وينطلقون إلى أعمالهم في الصباح، ويطلبون لقمة العيش، إلى آخره، الوحوش التي في الغابات، والدواب التي في قاع البحار، من الذي يرزقها كل يوم، ويعطيها الفطور، والغداء، والعشاء؟! الله -تبارك وتعالى-، وسيأتي الكلام على اسم الله الرزاق، وأشياء عجيبة في هذا الباب كيف يرزق الله -عز وجل- الطائر الأعمى، والحية العمياء، وهناك أمور كانت سبباً لتوبة أقوام، ورجوعهم عما كانوا فيه.

كم يستهلك العالم من الحديد؟ كم يستهلكون من الذهب على مدى هذه القرون، والعصور المتطاولة؟ ومع ذلك لم يفنَ شيء من هذا، فالله -عز وجل- ينزل الأرزاق بقدر ما يحتاج إليه الخلق، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِالشورى:27، المخلوق لا يستطيع أن يدبر شئونه، مسكين، قد يأكل عشبة، أو نحو ذلك ليتداوى بها، فيكون فيها عطبه، وهلاكه.  

بعض الخبراء الأمريكان في الاقتصاد قبل أشهر كتبوا بعض الكتابات، وبعض هذه الكتب انتشرت انتشار الشمس؛ لمكانة هؤلاء ولحذقهم ومعرفتهم بشئون الاقتصاد، يقول أحد هؤلاء: كل شيء ستحتاج إليه يجب أن تشتريه من الآن؛ لأن الأسعار في ارتفاع مستمر، تحتاج أثاثاً، لا تؤجل، لا تقل: بعد سنتين، تحتاج مواد البناء، لا تؤجل، تحتاج لباساً، تحتاج مواد غذائية، لا تؤجل، ينبغي أن تبادر، وبناء على هذا بادر كثير من الناس، فاشتروا أراضيَ يحتاجون إليها، أو سيتجرون بها؛ لأنها سترتفع أكثر، وبعض من يبني بادر، واشترى كل ما يحتاج إليه من الحديد، كان الطن من الحديد يصل إلى خمسة آلاف وثمانمائة ريال، وذهب بعض التجار إلى السوق السوداء واشتروا كميات من الحديد من الصين، ومن غيرها، وخزنوا سلعة إذا طال عليها الزمن أصابها الصدأ، اشتروها بأسعار غالية، وبعض هذه السلع اشتريت ولم تصل إلى الآن، ولكن في فترة وجيزة، وإذا بكل المقررات السابقة تتغير، وأصبحت الأسعار تنزل، فمن خمسة آلاف وثمانمائة يصل الطن إلى ألف وتسعمائة ريال، والمتوقع أن ينزل أكثر من هذا، في فترة بسيطة.  

هؤلاء خبراء، يقولون: اشترِ كل شيء تحتاج إليه، لا تنتظر؛ لأن الارتفاع مستمر، لا تؤجل، الانتظار لا معنى له، ثم تتحول المعادلة، ويصبح الناس الآن ينتظرون؛ لأنهم ينتظرون مزيداً من الهبوط، حتى في شراء السيارات، وحتى في شراء أمور أخرى مما يحتاجون إليه، ويتوقعون أنها ستنزل أكثر من هذا، رأيتم تدبير المخلوق!؛ ولذلك انظر إلى التخبط الموجود، أين يذهب الإنسان؟ الدولار ينزل، الين ينزل، الذهب ينزل، أين يضع الإنسان أمواله؟ بعضهم يقول: في ذهب، طيب والذهب ينزل، وسيخسر الإنسان الذي اشتراه، فهذا تدبير المخلوقين، والله هو الحي القيوم، بيده أزمّة الأمور.

وقد أخبرنا النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه لن تموت هذه الأمة بسَنة عامة، دعا ربه بهذا، لا يمكن أن نهلك بفقر، ومجاعة عامة؛ لأن الله قد أعطاه ذلك، أجابه.([30])

إذن يفترض أن تكون هذه قاعدة عندنا في الاقتصاد، بعض الناس يقول: نريد أن نقطع النسل من أجل الأوضاع الاقتصادية، بعض الناس يسألون الآن عن هذا، يقول: عندنا ثلاثة يكفي، الأوضاع الاقتصادية صعبة، نحن لا ندري كيف يكون المستقبل، نريد أن نتوقف عن الإنجاب، فهل تحديد النسل يجوز، أو لا يجوز؟ الله -عز وجل- حينما قال في سورة الإسراء: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ الإسراء:31، خوف، فقر متوقع في المستقبل، قال: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ، قدم رزق الأولاد، وَإِيَّاكُمْ الإسراء:31، وقال في سورة الأنعام: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍالأنعام:151؛ يعني: من فقر واقع، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْالأنعام:151، قدم في هذه الآية رزق الآباء الفقراء على الأبناء، فاطمئنوا، الأولاد لا يُنقصون من رزقكم شيئاً، كل واحد يأتي ورزقه معه، لستم من ترزقون أنفسكم حتى ترزقوا غيركم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَاهود:6، نحن نطمئن بهذا، فيجب أن ترسخ هذه العقائد عند أهل الإيمان، لكن أولئك الذين لا يعرفون الله، ولا يعرفون الحي القيوم، كيف يكون حالهم في مثل هذه الأوضاع؟، ينهارون، الدنيا عندهم غاية المطلوب، ليس عندهم إلا الدنيا، فإذا ذهبت الدنيا ما الذي يبقى؟ لا شيء، حتى البيت الذي هو ساكن فيه، يقولون له: لو سمحت، البيت مرهون، خذ أغراضك، ومع السلامة، وإلا أخذنا أغراضك بناء على التأخير الذي حصل، فالإيجار نحسبه عليك، نسأل الله لنا ولكم ولجميع المسلمين العفو، والعافية.    

أقول: لو تخلى الله –عز وجل- عن هذا الخلق طرفة عين لهلكوا.   

الثالث من هذه الآثار: معرفة أن الله هو القيوم يبعث على مخافته: يخاف من الله -عز وجل-، إذا كان الله -عز وجل- هو القيوم، ومن معاني القيوم: القائم على كل نفس، القائم على الناس بأعمالهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وحسابهم، وجزائهم، والدنيا والآخرة كلها بيده، والتصريف بيده، والعبد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه، فيخاف العبد أن يعاقبه الله -عز وجل- بخسارة، أو بنقص في الأموال، والأنفس، والثمرات؛ لأن التدبير بيد الله -عز وجل-

 

من معاني القيوم: القائم على كل نفس، القائم على الناس بأعمالهم، وآجالهم، وأرزاقهم، وحسابهم، وجزائهم، والدنيا والآخرة كلها بيده، والتصريف بيده، والعبد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه، فيخاف العبد أن يعاقبه الله -عز وجل- بخسارة، أو بنقص في الأموال، والأنفس، والثمرات؛ لأن التدبير بيد الله -عز وجل-

 

، وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ الأعراف:130، فالله -عز وجل- يعاقب الخلق، فيذهب بعض ما في أيديهم، ويرسل إليهم الآفات، والعلل، والأوصاب، والأمراض، جَزَاءً وِفَاقًا النبأ:26، فيخاف الإنسان إذا خالف أمر الله، ولم يستقم على الصراط المستقيم أن الله يعاقبه، ويجازيه في الدنيا، وفي الآخرة، فهو قائم على خلقه بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم، وجزائهم، يحفظ عليهم أعمالهم، ولا يضيع من ذلك شيء.    

الرابع من هذه الآثار: محبة الله -سبحانه وتعالى-: فإذا كان الله -عز وجل- يدبر أمر الخلائق، البر، والفاجر، المؤمن، والكافر، ويسوق إليهم الأرزاق، ويعطيهم، ويرسل إليهم الرسل، ورحمته وسعت كل شيء؛ ولهذا لما ذكر الله -عز وجل- الربوبية، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَالفاتحة:2؛ ذكر بعدها الرحمة، قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالفاتحة:3؛ ليعرف أن هذه الربوبية مبنية على الرحمة، الله لطيف بعباده، فإذا كان هذا اللطف بالفاجر، والكافر فكيف بالمؤمن؟!.

فآثار القيومية كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: تظهر، وتثمر على المؤمن حينما يدرك أن الله يدبر أهل الإيمان، ويصرفهم إلى ما فيه صلاحهم([31])، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِالأحزاب:43، يصلي عليكم، فصلاته على العبد ما ظنكم بآثارها، وثمراتها من ألوان الهدايات، وفتح مغاليق القلوب، ويتلطف بهم غاية التلطف، فيقول: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْالبقرة:143.

ويقول: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ التوبة:117، فيوفقهم، وينقلهم من هداية إلى هداية، فإذا لامست هذه المعاني القلوب الصادقة، العارفة بربها، وخالقها -جل جلاله- فإن ذلك يورث محبته؛ لأنه -تبارك وتعالى- يلطف بهم، ويحفظهم، ويرعاهم، يقول الله -عز وجل- لموسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام-: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى طه:46، ويقول: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَالأعراف:56، فهو مع المؤمنين بنصره، وتأييده، ورعايته، وكفايته، فيحبونه محبة تامة، وتتعلق قلوبهم به، ولكن القلوب إذا أقفرت من هذا تعلقت بالمخلوق؛ لذلك تجد أحياناً الرجل يحب امرأة، أو المرأة تحب صاحبتها، أو الشاب يحب صاحبه محبة يقول: ليتني أحب الله مثلما أحبك.

وبعض الناس يسأل عن التعلقات، امرأة متعلقة بأخرى، تقول: إنها مشغولة بهذا المخلوق، فكيف الخلاص؟، هؤلاء لو عرفوا الله معرفة صحيحة لعاملوا الخلق بما يليق بهم من المصانعة، والإحسان، دون أن يمتد القلب، ويتعلق بأحد منهم، لكن هذه المعاني أحياناً تقفر في القلب، فيتعلق بهذا المخلوق تعلقاً شديداً، فيحبه محبة أعظم مما يحب الله، ويخاف من الآخر مخافة أعظم من مخافته من الله، ويأتي هذا يشتكي، وهذا يشتكي، يعاني من محبة زائدة لفلان، وهذه تعاني من محبة زائدة لفلانة، إلى غير ذلك.   

الخامس من هذه الآثار: أن مَن علم أن الله –سبحانه- هو القيوم فإنه يثق به، ويطمئن إلى تدبيره، وحفظه، ويدعوه، ويسأله أن يعينه على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، ويتوجه إليه في طلب حاجاته.

 نسأل الله -عز وجل- أن يعاملنا بلطفه، وأن يغفر لنا، ولوالدينا، ولإخواننا المسلمين.

اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا، اللهم دبرنا فإنا لا نحسن التدبير، وخذ بنواصينا إليك، ودلنا بك عليك يا خير مسئول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

 

[1]- انظر: معجم مقاييس اللغة (5/43).

[2]- انظر: لسان العرب (12/496)، والكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية (ص: 160).

[3]- انظر: جامع البيان في تأويل القرآن (6/ 158). 

[4]- انظر: غريب الحديث (2/201).

[5]- انظر: تفسير القرطبي (3/271).

[6]- انظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد، وإياك نستعين (3/194).

[7]- انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (1/131).

[8]- انظر: نونية ابن القيم، (ص: 211).

[9]- المصدر السابق.

[10]- أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا كان في سفر فأقبل الليل، برقم (570)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (4791)، وهو عند البخاري بلفظ: "قيم"، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل، برقم (6317).  

[11]- أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، باب استفتاح الصلاة، برقم (2564).

[12]- أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (769).

[13]- انظر: التبيان في أقسام القرآن (ص: 163).

[14]- انظر: تفسير الرازي (1/110).

[15]- انظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد، وإياك نستعين (1/446).

[16]- انظر: قاعدة جامعة في توحيد الله، وإخلاص الوجه، والعمل له عبادة، واستعانة (ص: 35).

[17]- أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب تفريع أبواب الوتر، باب الدعاء، برقم (1495)، والترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب جامع الدعوات عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، برقم (3475)، والنسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم (1300)، وأحمد في المسند، برقم (12611)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (1342).

[18]- أخرجه أبو داود، باب تفريع أبواب الوتر، باب الدعاء، برقم (1493)، والترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب جامع الدعوات عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، برقم (3475)، والنسائي، كتاب السهو، باب الدعاء بعد الذكر، برقم (1301)، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم (3857)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (1341).

[19]- أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء، برقم (90)، وقال الألباني: رواه النسائي بسند صحيح، انظر: أصل صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، (ص: 181).

[20]- أخرجه أحمد في المسند، برقم (3712)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم (199).

[21]- انظر: نونية ابن القيم، (ص: 36-37).

[22]- أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء، باب ما يستفتح به الدعاء، برقم (91)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، وزيادته، برقم (4777).

[23]- أخرجه النسائي في السنن الكبرى، برقم (7636)، وفي عمل اليوم والليلة، برقم (613)، وصححه الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة (2/ 33)، برقم (1152).

[24]- أخرجه النسائي في الكبرى، برقم (10330)، والحاكم في المستدرك، برقم (2000)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، والبزار في مسنده، برقم (6368)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/ 117)، برقم (17008)، وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير عثمان بن موهب، وهو ثقة"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5820).

[25]- أخرجه أبو داود، باب تفريع أبواب الوتر، باب في الاستغفار، برقم (1517)، والترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب في دعاء الضيف، برقم (3577)، والحاكم في المستدرك، برقم (1884)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (1358).

[26]- سبق تخريجه.

[27]- انظر: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/353).

[28]- أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة، برقم (2144)، وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته، برقم (2742).

[29]- أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب في التوكل على الله، برقم (2344)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، برقم (4164)، وأحمد في المسند، برقم (205)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5254).

[30]- عن ثوبان، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((... وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة... وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة... )). أخرجه مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، برقم (2889).

[31]- راجع: زاد المعاد في هدي خير العباد (4/189).

مواد ذات صلة

إرسال الملاحظات